علي بن محمد الوليد
58
الذخيرة في الحقيقة
ووضع فيها وضعا فكان المتولي لنقش الصورة الانسانية عطارد ، بمعاونة الشمس وزحل والقمر ، فلما كملت لجميع العالم الانساني الصور كان غذاؤهم من السرر ، إذا كانت تجذب اللطائف الدهنية المحتوية عليه ، ولطافة فضلة العفونات المنبجسة من أشقاق الأرض التي هي بمنزلة دم الطمث المحتوية على الجنين في بطن أمه إليه ، والغيوم والضباب والأمطار ساكنة لكمال الخلقة ولأن لا يدخل عليها الفساد وغذاؤها مما استجن في المغارات الغائرة ، كما أن الأثاث إذا حملت استحال دم الطمث من الارحام إلى الاثداء وإلى باطن الأجساد فيكون غذاء لتلك الجملة ورزقا ساقته العناية الإلهية تقدست له ، فلما حدث في جسمه الطول والعرض والعمق ارتفع من موضعه بتمديد الجسم وكمال الصورة واتفق انه قاعد على أليته وذقنه على ركبته وذراعاه مضمومتان إلى ما يليهما من جسمه وهو مجتمع على هيئة شريفة خطيرة فلما كملت صورته وتخطيط وجهه انبعث فيه الروح من الحرارات التي كونته واستجنت في جسمه ونفخ فيه القمر الروح المحيية الإلهية التي فيها قوة يحيا بها ما سكنت فيه من الأجسام امدته بذلك حرارة الشمس لأن ضوء القمر من الشمس وفيه من حرارة الشمس جزء ما لطيف يعرب عنه بالنفس فلما نفخت فيه تلك الروح ودارت في جميع أحشائه وبدنه وجوارحه وأعضائه تنفس من منخريه واستنشق النسيم المعتدل لأن الهواء حار رطب إذا انفرد بطبعه ولم يخالطه برد شديد فسيبرده ولا حر عظيم فيوبسه فجعل التنفس يزيد بدنه انبساطا واحساسا بالنسيم الذي هو اعتدال أشعة الأفلاك والأملاك الذي سطع في كرة الأرض ولم يستطع نفوذا فيها وعاد صاعدا ثم امتزج بما خالطه مما يجانسه من البخار فصار الكل حارا لينا معتدلا وهو الذي يمد الحيوانات بما يحييها وهو أصل قوة النماء والمحرك من داخل وخارج لما دنا من الحيوان وسما الممد للنبات بما ينميه ويقيمه منتصبا منكوسا ويعليه والروح تعمل في تلك الأجساد